Ask a Philosopher logo

Friedrich Nietzsche

توطئة : حينما يوطّئ الكاتب للقارئ فهذا يعني عدة أمور أولها أن الكاتب قد مر بطريق ما و ثانيا أنه عاد لنقطة البدء أي ما-قبل سلوكه للطريق و ثالثا أنه سيأخذ من لا يعرف الطريق و يتعهّد بتعريفه إيّاه حتى يبلغ به الكاتب ما بلغه هو نفسه ؛ فما وظيفة التوطيئ اذا ؟ هو تجنيب الكاتب للقارئ المشقة التي واجهها خلال سلوكه طريقا لم يكن يعرف ما قد يواجهه فيه و بهذا فإن التوطئة هي بيان ما له داعٍ لبلوغ الوجهة بصفته حاسما . إن هذا المقال هو بمثابة رد فعل على مقال الكاتب يزيد السنيد المعنون ب"السينما فن جماهيري؟" إلا أنه رد الفعل الذي يكون فعلا و نعني بذلك أن علاقته بالمقال المذكور لا تقوم على مجرد النفي و و انما على الإيجاب و هي لا تعتبر هذه المقالة فحسب بل ما ترد عليه مقالته الفعل ؛ و أما النفي فهو يحدث طبيعيا ما إن نوجِب أمرا خلافا لما أوجبته المقالة المذكورة , لذا سيطرح الكاتب هنا قولا في الجمهور بعامة يحاول فيه أن يجعل من علاقة الجمهور بالشيء الذي هو جمهور له ينبثق بنشوء طبيعي و عفوي من واقعة جدا بسيطة و هي : أن الذات ما دامت تظهر للآخرين من خلال الجسد-البدن فهي معروضة لهم و ما دامت تقدم للآخرين شيئا أي أنها تقوم بفعل ال"عرض" الذي هو امتداد للعرض اللا-ارادي الأول الذي تقوم به من خلال الجسد - البدن لشيء من الأشياء فنيا كان أو غير فنّي فإن الجمهور بما هو مجموع من الآخرين "يتجمهر" حول المعروض و فعل التجمهر هذا يعني أن هناك ما يلفت و هذا يعني أن الجمهور يقوم بعملية مصادقة لما صادقت عليه الذات أولا باعتباره جديرا بالعرض أو بالاعتبار و لذا اشارت إليه من خلال عرضه ؛ نعني أن الجمهور هو تأمين الذات تجاه ما عرضته . - في أن الجمهور باعتباره "آخرا" هو سند للموضوعية : إن الجمهور مؤلف من عدد من "آخر" أي آخرين ذوات ليست هي الذات المنتجة للعمل و تقوم بعرضه فصاحب محل لبيع الخضرة ليس هو الآخرين الذين يتجمهرون حول بضاعته فالبائع ( البائع باعتبار أنه ذات تعرض شيئا للآخر ) ليس هو المشتري ؛ و اذا كان الجمهور هو مجموع آخر أي آخرين فجاز لنا أن نعدّ الجمهور كتلة و هو لا يوجد إلا تكتّلا و تجمّعا حول شيء بعينه . إن الذات/الإنسان لا يقوم بدور العرض إراديا فحسب بل هو يعرض ذاته للآخر دون إرادة من حيث أنه يملك جسدا و هذا بحسب شوبنهاور هو أول ما ندركه من ذواتنا و ما ندرك به الآخر يدركنا به ؛ و بما أن الذات تعرض ذاتها للآخرين و هي معروضة لهم بعملٍ تنتجه أو دونه فإن الجمهور ينشأ نشوءا طبيعيا ما دام ثمة شيء يُعرض ؛ إلا أنه هل يقتصر دور الجمهور على تلقي المعروض ؟ لا ؛ إن الجمهور هو الذي يجعل ما هو ذاتي أي ما هو خاص بفرد سيّان إن كان هذا الخاص هو جسده أم عمل ما قد عمِله ذو دلالة موضوعيّة أي أن الآخر باعتباره جمهور هو يقوم بفعل المُصادَقة و هذا الفعل هو يقوم بتثبيت و إدامة المعروض من قبل الذات في العالم و كمثال : فإن بائع الخضرة إذا تكتلت من حوله الزبائن و تجمهرت فإن ذلك يثبّت و يبقي و يديم عمله , و الذات باعتبارها معروضة للآخر فإن هذا الأخير يلعب دورا محوريا في تحديد حقيقتها بل و تغييرها . - في الجمهور باعتباره "تكتّلا" و علاقة رغبة الذات التي تعرض به : يقول غاستون باشلار في كتابه "فلسفة الرفض/philosophy of no" أن الكتلة هي شيء نقوّمه بالنظر و هي في بعدها الترميزي ( أي بعد الحياة المتعلّق بالنفس و حياتها ) تدل على "الفائض" مثلما يتحدث طبيب نفسي أو محلل عن الشحنة العاطفية فهو يعني كتلة عاطفية فائضة ؛ إلا أن الفائض ليس دوما "زائدا عن اللزوم" و إنما هو يخاطب الرغبة فكتلة من وجبة لذيذة تخاطب الرغبة خيْرَ مخاطبة . إن الجمهور بما هو كتلة و فائض إذا هو يعلّق الذات التي عرضت شيئا به و يشدّها نحوه لتستمر في وهبه ما جعله يتكتّل نحو المعروض الذي أنتجته في صور شتّى أو حتّى المحافظة عليه , و في حال لم نكن من جمهور الشيء المعروض بعد فإن تكتّل الجمهور نحو شيء ما يثير حفيظة الرغبة نحوه لاستكشاف سبب التكتّل ؛ يصف باشلار الكتلة فيقول إنها "تقويم كمّي مضخّم و كأنه تأنيب للواقع" أي تركيز النظر على مفرَد و كأننا نلومه على أنّه مفرد ؛ يقول الشاعر سلطان محمّد : كما إن صيغة الجمع للمفرد تنمّ عن توحّد شديد و وحدة , نستنتج من هذا البيت أن الجمع أيضا و الكتلة تؤنّب المفرد على بقائه في توحده الموحِش ؛ اذا إن الجمهور بما هو جمع و كتلة فإنه يلقي باللائمة على المنفرد عنه و نعني المفرد و التجربة اليومية شاهدة على هذا اللوم إذ في كثير من الأحيان حينما لا نكون من جمهور شيء فإن الجمهور يلوم المنفرد عنه على انفراده . - في فك الرابطة بين كثرة الجمهور و قلّته و قيمة الشيء : تستلزم منّا هذه الفقرة تأسيسا لمفهوم التجربة ينزع عنها الغرض نعني أن نجعل التجربة دون غاية ؛ لأن الجمهور في علاقته بالمعروض فهو يتناوله بكيفيات متنوعة و هو نفسه منقسم تجاه الشيء الواحد و عليه فإننا من خارج و قبل تجربة المعروض الذي يطالب بالتكتّل حوله نكون سلفا في أفق من الرؤية يحجب الإحتدام مع المعروض . يقول جورج باتاي في كتابه "التجربة الداخلية" إن افتراض غاية للتجربة قبل خوضها هو ضد لعملية التجربة نفسها لأننا بذلك لا نسمح للشيء الذي نقوم بتجريبه أن يظهر إلا بالحدود التي تلبي الغاية و هذا يذكّر بقول ادورنو وهوركهايمر في كتابهما جدل التنوير عن علاقة المعرفة بين البرجوازي و الكادح البوليتاري حيث لا يعرف الأول الثاني إلا بالقدر الذي يسمح له باستخدامه بل و نفترض اعتبارات معينة في سلوكنا نحوه قد لا يقرّ بها الشيء إذا بلغناه , تبدو الغاية هنا عنفا تجاه الشيء و إن ما تطالب به التجربة هو أن يفقِد المجرِّب ذاته أمام ما يجربه ؛ بهذا فإن التجربة التي لا عنوان لها هي التجربة . إن القيمة في الإستخدام اليومي هي تخبر عن "فضْل" شيء و فضْل الشيء هو ما يضيفه و يُكسبه لنا بصفتنا كائنات تملك رغبة ؛ هكذا مثلا يتحدث أبو بكر الرازي في كتابه الطب الروحاني عن فضل العقل و أوله ما يبينه من فضل هذا الكيان الروحي علينا هو أنه من خلاله عرفنا ما فيه صلاح الجسد و هذا يتضّمن معرفتنا لطرق جلب ما يلذّه. يسرد القديس أوغسطينوس في كتابه الإعترافات عن أحد العارفين المشهورين بالأدب المانوي إلا أنه بعد أن تعمّق في هذا الأدب واحتدم معه أخذ يسائل هذا العارف عنه فوجده لا يعرف الكثير عن الشيء الذي يعرضه و اشتهر به و هو هنا قد خاض تجربة مع الذات التي تعرض عملا ما بمعزل عن جمهورها رغم أنه منه و إن غاستون باشلار في عين الكتاب المذكور يرى أن الكتلة بالنظر للرغبة قد تكون عائقا معرفيا لأنها تستلم لها و لا تساءلها فالطفل مثلا الذي يرى كتلة طعام في حالة الجوع سيهرع نحوها دون أن يساءل هل هو مفيد أم لا و إلى أي حد سيأكل ؛ بل إن أوغسطين نفسه و على لسانه الإعترافي يقول "كنت بالكذب أبحث عن مجد زائف" في سياق كان فيه أستاذا منتدبا للفصاحة في ميلانو يتجمهر من حوله التلاميذ , تعرض هذه الإعترافات إشكالية عدم انفصام الرّغبة عن التربّح ؛ يقول ايمانويل كانط مثلا "نسمي الرضا الذي نربطه بتصور موضوع منفعة" تكمن الإشكالية في أن التربّح الذي يتعلّق بالرغبة دون إنفصام أنه قد يولّد تحايلا و كذبا و مكرا بالآخرين أو إنتهاكا لكرامة الأشخاص بحسب كانط أو الجمهور أي أن علاقة رغبة الذات التي تعرض شيئا للجمهور قد تغرر به لأنها من خلاله تربح أمرا و بهذا فإننا نقول إن العلاقة مع الشيء المعروض و تجريبه تجربة دون غاية سوى التجربة نفسها هي وقاية للجمهور من تغرير الذات التي تعرض به ؛ إن موت الصّنم ( الافتراض المسبق ) تجاه الذات التي تعرض و ادعاءات الجمهور هو ما يتيح تكوّن تكتّل و علاقة فعّالة تجاه المعروض ؛ فلو أن أوغسطينوس وقف عند الحد الذي تشيعه الكتلة التي هي الجمهور أمام هذا العارف بالأدب المانوي لما عرف ما عرفه عنه . -في أن كثرة الجمهور تتبسّط إلى قلة تمتلك معرفة غنوصية بالشيء المعروض : يوحي لفظ التبسّط في هذه الفقرة بقابليّة جمهور شيء من الأشياء باعتباره كتلة لأن يُختزل في كتلة أقل و هذا سليم ؛ و إن هذه القلة التي نختزل فيها الجمهور نعدّها مالكة لمعرفة غنوصية بالشيء المعروض تحصل عليها هذه بفضل إعادة تجربة المعروض مرة و اثنتين و ثلاثة ؛ نعني أنه تم إصطفاؤها لرؤية حقيقة المعروض بفضل مداومتها على الإقبال عليه ؛ يمكن أن نشبّه عمليّة التبسّط للكتلة بجدار تصطدم به الكتلة مرات عدة و مع كل اصطدامة يسقط منها جزء حتى في مرة من المرات يخترق جزء من الكتلة وهو ايضا كتلة هذا الجدار الذي هو حجاب ؛ ترادف كلمة الغنوصية كلمة الباطنية أي أنها تفترض وجود باطن للمعروض لكنها لا تكتفي بتلقّيه و إنما تذهب الغنوصية باعتبارها فنّا للفهم إلى مساءلة للذات التي تعرض عن سبب وجود المعروض في صورة من الصور و قد تقوم بدور التنقية و التصفية للمعروض و تحدد سويّة مع الذات العارضة هيأته التي يعرض فيها ؛ هكذا مثلا تملك نوادي كرة القدم فئة من الجمهور تسمى "برئيس رابطة المشجعين" يتاح له توجيه الكلمات مباشرة نحو رؤساء النادي و لاعبيه و المساهمة في قرار بيع اللاعبين أو شرائهم و السؤال عن اداء النادي و استشكاله , تتسم هذه الفئة بالإخلاص للمعروض و الذي هو في هذا المثال "النادي الكروي" بحيثية قد تؤهله بأن يكون أمينا على المعروض أكثر من الذات التي تعرضه و الذي هو في هذا المثال "رئيس النادي" , إن القلة التي تتبسّط من كتلة الجمهور تملك معرفة تتعلق بما وراء المعروض أو باطنه و كأنها جاسوس أمين للجمهور يغادره ليعود إليه , و اذا تحدثنا في شأن الفن السينمائي فسنقول أن الناقد السينمائي هو هذا الجاسوس الأمين . نحن اذا بحاجة لأمثال جمهور من عينة أوغسطينوس و كتابه الإعترافات هو خير مرجع لفهم مسألة الجمهور هنا ؛ لسببين و الأول منهما هو أنه كتاب "يؤرّخ" لذاته وللآخرين و التاريخ بعامّة لا يسجّل إلا اللحظات القصوى من الشيء الذي يؤرّخ له بمعنى أنه يمنح معرفة بالطبع البشري داخل لحظات حاسمة تسببت في توليد انعطافات في شأن مسار مستقبل الشيء الذي يتم التأريخ له و الثاني و هو الجوهري في هذا المقام هو أنه يؤرّخ لما يقع في جبِّ الطبيعة البشرية و معنى الجبّ هنا نأخذه من تفسير ابن عربي للآية " لا تقتلوا يوسف بل ألقوه في غيابّة الجبّ يأخذه بعض السيارة إن كنتم فاعلين" يقول الشيخ ابن عربي أن الجب هو قعر الطبيعة البشرية ؛ فما الذي يوجد في هذا القعر ؟ كل ما هو غير بريء و يتم إخفاءه عن أعين الناظرين (الحقد-الحسد-الشهوة الجنسية-الغيرة-المكر) لذا فإن أوغسطين من خلال قصّه لنا عن هذا العارف بالأدب المانوي يظهر لنا ما هو في الجبّ و يجعل من الخفي ظاهرا إذ أنه قبض على نفسه والآخرين متلبسين بالإستجابة للنوازع التي تفضي إلى جرم ما ؛ و في هذا السياق هو يؤرّخ لنا على جرم الذات التي تعرض في حق المتلقي و الذي هو ليس مفردا بل هو كتلة لذا فإن المسألة من الأهمية بمكان لأنه كما لو أننا نتحدث بشأن جرم في حق المجتمع الذي يمسّ الأكثر انفرادا عنه ( نعني النخبة ) . يتعلّق التوجّس من أمثال هذا العارف بالأدب المانوي و بإخوة النبي يوسف بإلقاء نوع من التعويذة دافعها شيء من الجبّ للتربّح ؛ في الحالة الأولى نجد التفصّح و التشدّق و الدافع من الجبّ هو المجد أو الظهور أكثر من الآخرين ( يسمي ابيقورالتفصح و التشدّق "صناعة الأصوات" و من المعروف عند الإغريق قديما أن الصوت "يسحر" في أسطورة سيرينات البحر التي تغرر بغنائها الجميل البحّارة لكنهم لا يجدون شيئا اذا تتبعوا هذا الصوت ) , أما في الحالة الثانية فنجد عمليّة اغضاب للنبي يوسف حجبت قلبه كليّة عن افعاله و ذلك في تفسير ابن عربي للآية "أكله الذئب" كتبرير لوالده لغياب ابنه عنه و و تكذيب الوالد لاخوة يوسف و كلالة بصره و ابيضاض عينيه اثر فراقه هو دلالة على عدم فهمه كيف لفرد حسن مستعد تمام الاستعداد لتلقي فيض الحقائق أن يتحول لذئب ؛ و الدافع من الجب في هذه الحالة الثانية هو الحسد و بغيته هو أن يحلّوا محلّه بالنظر لوالده بحسب دلالة الآية " وتكونوا من بعده قوما صالحين" ينسب ابن عربي الصلاح في أعين إخواته أنهم أقدر من يوسف على تهيئة أمور المعاش و تدبير الكسب المادي و الضلال الذي فيه يعقوب بتفضيله يوسف هو عدم رؤيته لذلك فيهم . في أن هذا الضرب من المعرفة الغنوصية هو معرفة بما هو رياضي : إن كلمة رياضيات/mathematic لدى الإغريق كانت تشير إلى mathameta و قد علّقها أفلاطون على أكاديميته قائلا " لا يدخل هنا من لا يعرف الرياضي" إن ما هو رياضي هو إمتلاك معرفة كاملة بما نعرف سلفا ؛ فكلنا نعرف اللوحات الفنية لكن هل نعرفها بحيثية نكون فيها قادرين على أن نعطي الآخرين/الجمهور علما تاما بها بحيث يستطيع أن يقوم بعمل لوحة فنية ؟ إن الإجابة عند الأغلب هي لا فنحن نعرف بالقدر الذي نستطيع فيه استخدام الشيء أو تبادل الأحاديث عنه مع الآخرين ..الخ . يقول غوسدروف عن المعرفة الغنوصية في كتابه "أصول التأويلية" أنها نوع من المعرفة المؤجلة , و معرفة الشيء بالحيثية الرياضية التي تحدثنا عنها تأتي بأخرة مثل العرفان أو الغنوص إلا أن المعرفة كغنوصيّة هي نزّاعة لامتلاك أصفى ما في الشيء ( الشيء المعروض في هذا السياق ) , يجب أن نعود لأوغسطين كذلك ؛ فجهل العارف بالأدب المانوي لم يتبيّن إلا بعد اقتدار أوغسطين على تمليك الآخرين ما يملكه هذا العارف و أكثر منه فهو بهذا المعنى يقارب الرياضي لكن لا يبلغه و هنا نبلغ معنى متميّزا للرياضي فامتلاكه كله أو بعضه يعني قدرة على إعادة إنتاجه , إن الشواهد في غير مجال على هذه القلة من الجمهور و التي تتحول هي بدورها إلى ذات عارضة لمعروض أجود و يلبّي إحتياجات الجمهور بصورة أكثر فاعلية من الذات العارضة التي كانت هذه القلة من الجمهور تثمّن معروضاتها هي كثيرة . إن هذه القلة التي تتحول إلى ذات عارضة بدورها هي لا تخون من كانت من جمهوره و إنما هي قد جعلت من المعروض شيئا موضوعيا مستقلا عن الذات التي تعرض ؛ في عالم السيارات على سبيل المثال نشأت شركة لمبورغيني بعد حوار مالكها فوريتشو مع انزو فيراري مالكة شركة فيراري حول "مبدل السرعات" الخاص بسياراته ؛ إن هذا النشوء لشركة لامبورغيني يمكن أن نتحدّث عنه باعتباره وفاءا لتوجه الذات العارضة الأولى و ما ترنو إليه ؛ أي أن هذا إحسان في تبليغ الجمهور ما كانت تبلّغه فيراري . في أن الجمهور واحد و متعدد و ليس في ذلك شيطانية و لا فضل لجزء منه على آخر : "إن اللغة من وضع مشرّع سكران" أفلاطون "إن الواحد يقال على معانٍ شتّى فقد يقال على المتصل واحد" أرسطو "فقالت الحية للمرأة: أحقًا قال الله: لا تأكلا من كل شجرة في الجنة؟" (سفر التكوين 3:1) "وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)" سورة الأعراف «أما الجمهور فينتهك جميع هذه التمييزات العددية فهو واحد وكثير ومثل هذا الخداع عمل شيطاني» مايكل هارت و انطونيو نيغري في الإقتباس الأول نسبنا إلى اللغة خاصية التحريف و في الثاني رأينا أن تحريف اللغة لا يضر فالواحد الذي صفته الوحدة أي عدم التكّثر يقال على الكثير مثل سيارة واحدة لكن السيارة مركب من كثير أو عدد و في الثالث نسبنا التحريف إلى الشيطان و في الرابع نؤكد الثالث و في الخامس ( و هو الذي افتتح به الكاتب يزيد مقالته ) نريد أن نقول أن هذه النظرة إلى الجمهور هي نظرة لاهوتية - دينية فأرسطو مثلا يجد أن كون الواحد كثيرا أمرا عاديا و هو من استخدامات كلمة واحد . نحن نبيح لأنفسنا الإستنتاج من الكتب المقدّسة لأن لفظ الشيطان الذي ابتدر به الكاتب مقالته i, لفظ لاهوتي-ديني , و نسبة الشيطانية إلى الجمهور تتمثل في تحريف مقصد القول أو التشكيك فيه و هي ذات الوظيفة التي تنسبها الكتب المقدسة للشيطان ؛ لذا نجوّز لأنفسنا أن نفهم طبيعة الشيطان من خلالها ؛ إنه كائن يمكنه بلوغنا في حين لا نستطيع نحن بلوغه ؛ يقول القرآن ""يراكم هو و قبيله من حيث لا ترونهم" فالجمهور بما أنه في حال "شيطانية" فنحن لا نستطيع أن نبلغه لأنه مراوغ في حين أن الذات العارضة و المعروض الذي تقدمه يمكن بلوغه ؛ يتصف الجمهور اذا بفعل المكر تجاه ما يستقل عنه ( نعني الذات العارضة ) لكن في معنى الهي للمكر و ليس شيطانيا ؛ لنقرأ هذه الأبيات الشعرية لابن عربي اذ يقول : فمن أراد الأمن من مكرهِ ليحصِّل الباطنَ و الظاهرْ يحقق الميزان من شرعه فيعلم الرابح و الخاسر يضيف ابن عربي بعد هذه الأبيات قائلا "إعلم أنه من المكر عندنا بالعبد أن يرزق العبد العلم الذي يطلب العمل و يحرم العمل به و قد يرزق العمل و يحرم الإخلاص فيه" يتعلق اذا المكر اذا بالفضيحة و اظهار المفارقة و علاقة أوغسطين بالعارف بالأدب المانوي مثال ثرّ و غني لا يني عن التشكّل ليخبرنا بالكثير ؛ يمثل أوغسطين بهذا مكرا إذ يظهر المفارقة فالعارف ليس بعارف و من يملك لا يملك ؛ أين تكمن اذا وحدة الواحد و نفي تعددية الجمهور ؟ في عملية المكر هذه بالضبط التي مهما إختلف جمهور عن جمهور تبقى هذه العملية بمثابة انقاذ الجمهور في كل مرة . اذا سلمنا جدلا بأن الواحد نقيض الكثرة و العكس صحيح و نسبنا كون الواحد كثيرا لفعل شيطاني فنحن نغفل تماما أن الشيء عينه من "كماله" أن يكون متناقضا بحد ذاته و يقتدر على أن يكون ليس هو و إن هذه التحولات من نقيض إلى آخر قد تكون تكيّفا للحفاظ على بعد وظيفي معين له ؛ فالكثرة اذا هكذا تثبت الوحدة ؛ نلحظ أن المكر في البيت الشعري "يحقق التوازن" أي يصهر التضاد بين ادعاء ما و حقيقة الدعوى و يقيم سلما محل نزاع و يجعل من المنقسم وحدة ؛ فاظهار المفارقة يعيد الانسجام و يتيح فرصة للتحديد . -في نعت الفلاسفة للجمهور بالرعاع و ما شابه ذلك : يعني التفلسف في خطوطه العريضة اقامة صداقة مع الحقيقة ( لا يهم تعريف الحقيقة هنا ) و تناغما و الفلاسفة يمثّلون بحسب دولوز و غيتاري في كتابهما "ماهي الفلسفة ؟" مجتمعا مبنيا على الصداقة لشيء واحد هو الحقيقة ؛ الكل فيهم يودّ أن يصادقها ينبثق جدليا من هذا ضرورة تمييز صديقها و صديقهم الحقيقي من ذلك الزائف ( لاحظ أيها القارئ أننا استعملنا لفظ ذلك لأن صديق الحقيقة الزائف هو على مسافة منها و عليه منهم ) , فبالنسبة للفلاسفة أو اصدقاء الحقيقة الحقيقيين نشأ نعت الجمهور بالرعاع ( قطيع-غوغاء ) حينما نشأ الصديق الزائف للحقيقة و لهم ؛ نعني لحظة ظهور "السفسطائي" الذي يقوم "بالتلفيق" و يحاكي صديق الحقيقة الحقيقي محاكاة دون أن يكون حقا على علاقة بها أو بأصدقائها , إن الجمهور لم يكن بالنظر لهم بحد ذاته "رعاعي" و "غوغائي" و إنما بقدر ما يتبع الزائف متمثّلا بالسفسطائي . إن هذه النظرة المثيرة للشفقة ليست شأنا أصدقاء الحقيقة المجتمع البشري يتعالى بها بول ريكور في كتابه الإنسان الخطاء للحد الذي يبلور فيه مفهوم "مؤثرية البؤس" الذي يفيد بأن الوضع الأولي للذات هو "بائس" ليس الأديان السماوية وحدها من يقرّ ذلك من خلال هبوط آدم و زوجه بل إن نظرية الكهف الأفلاطونية عن السجناء الذين تعرض لهم ظلال الأشياء و يظنونها حقيقتها هم يتبعون زيفا إلا أن حدث خروج أحدهم منه و التفاته للأشياء بمعزل عن ظلالها هو لحظة تكون الفيلسوف أي رؤية الحقيقة و إقامة علاقة معها ؛ إذا الفيلسوف هو بدءا غوغائي و رعاعي إن حددنا هذا اللفظ باتباع الزيف و الباطل ؛ و عودة السجين الذي أطلق نفسه من الأغلال لبقية السجناء و صدّهم عنه فإن الإحباط المتولّد من ذلك هو دافع هذا النعت , إنه نعت اليائس لا المُحتقر , بل يكاد الفيلسوف كما نجد عند نيتشه يأمل و لو أن واحدا من كل الناس يقضي قليلا من الوقت الصادق مع كتاباته و يخبره عن رأي هو مخاض معاشرة مخلصة لها . إن نقد ملكة الحكم لإيمانويل كانط و الذي هو كتاب في فلسفتي الجمال و الفن يجب أن يؤخذ بالإعتبار أنه كتاب "أملي" أي ضرب من المحاولة التي تأمل الحصول على نوع من اليقين فهذا الكتاب يستقي أساسه من كتاب نقد العقل المحض الذي يصرّح فيه في مقدمته الثانية بالمطلب الذي يرجى منه و هو اليقين ؛ وهو يضع في هذه المقدمة افتراضات و توليفات يعتمدها في النظر و يقول صراحة أن على القارئ أن يقيّم ما إذا كنا نجحنا أم لا ؛ لذا كانط لا يقرّرُ شيئا تجاه قضية من قبيل "أن كذا هو كذا و كذا" و إنما هو يقول "كيف أمكن لكذا أن يكون كذا" لذا إن كان الحس المشترك/الجمهور قادر على التعرّف و التفكّر فهو إدعاؤه الخاص إلا أن كانط يبحث عن السند الذي جعله يوجد ؛ فإذا إتسقنا مع كانط نفسه فإن كل مؤلفاته هي تطالب اليقين و هذا الأخير لا يُبلغ إلا بالعثور على مبادئ ( و هذه نقطة يصرّح بها كانط أيضا ) و المبدأ يفترض ضربا من الثبات و الدوام ( يصرح بها كانط أيضا و عليه يكون للجمهور قانون بخلاف ما ذهب إليه الكاتب يزيد و عليه و هو الأهم يكون واحدا ؛ فإما أن نقول ( في حال إتسقنا مع كانط ) بأن الجمهور هو عبقري دائما و في مختلف العصور مع التقنية أو بدونها ؛ و إما أن ننفي العبقرية تماما عنه . إن ثنائية "نخبة" و "عوام" هي ثنائية بحسب الفلاسفة من إنشاء أصدقاء الحقيقة الزائفين ؛ فها هو سبينوزا ينبّه بعدم محادثة الناس بما لا يفهمونه و ابن حزم في مراتب العلوم يعد العالم الذي يزدري غيره ليس من أهل العلم و ثم من مؤلفات البيهقي ما عنوانه "الرسالة في نصيحة العامة" ما تعنيه هذه الرسالة إذا مضينا وفق ثنائية "نخبة" و "عوام" فهي أن الأولى متمثلة في البيهقي تعطي العوام أي الجمهور ما عندها و عليه فهي تجعلهم نخبة مثلهم و هؤلاء الفلاسفة ( إن وجدوا ) الذين يزدرون العامّة فبحكم أن لهم مؤلفات فهم سلفا يمنحونهم إمكانية ألا يكونوا "رعاعا" لأن ما يجعلهم نخبة هو في المتناول . ختاما يخبرنا بيتر رابينوفتز عن "الجمهور الإفتراضي" فلا وجود لذات تعرض تعلم جمهورها الفعلي بل هي تفترضه إفتراضا واعيا أو غير واعٍ و يدور افتراضها حول اعتقاداتهم و معرفتهم و مدى ألفتهم مع ما تطرح و تعرض . خلاصة : تذكّروا أوغسطينوس .

When the writer prepares to address the reader, it signifies several things. Firstly, it means that the writer has traveled a path and has returned to the starting point. Secondly, it implies that the writer is willing to guide the reader who may be unfamiliar with the path, in order to lead them to the same destination the writer has reached. So, what is the purpose of this preface? It is to spare the reader the difficulties the writer faced on their journey, to guide them through the unknown territory, and to ultimately bring them to the same understanding the writer has reached. Therefore, the preface serves as a declaration of what is necessary to reach the destination decisively. This article serves as a response to the writer Yazid Al-Sanid's article titled "Is Cinema a Popular Art?" However, it is a response that goes beyond mere denial, it is a proactive response. The relationship with the mentioned article is not just a negation but a affirmation as well. This article, along with its response, aims to engage with the general public, attempting to make the audience's relationship with the thing of which it is an audience for, to emerge naturally and spontaneously from a very simple fact: that the self, as it appears to others through the body, is exposed to them. And as long as it presents something to others, whether it is artistic or non-artistic, the audience gathers around what is presented. This act of gathering indicates that there is something that catches the attention, and thus, the audience affirms what the self has presented. In considering the audience as "others," they are a support for objectivity. The audience consists of a number of "others," individuals who are not the same as the entity producing the work. Therefore, the audience, as a collective of "others," plays a crucial role in defining the truth of what is presented. The self, being exposed to others, allows the audience to play a central role in determining the truth of what is presented and possibly changing it. The audience, as a collective entity, possesses a type of surplus knowledge with regards to the presented work. This surplus knowledge appeals to desire, much like the idea of an emotional load mentioned by Gaston Bachelard. The surplus does not necessarily mean "excessive," but rather it directly addresses desire. The audience's gathering around a work signifies a certain desire or interest that is aroused by what is being presented. This illustrates that the audience is affirming what the self presented, and in doing so, gives value to the work. The concept of the audience as a collective entity and the relationship between desire and knowledge can be seen as a form of manipulation. The audience is a mass that surrounds something, attracted by the desire to explore the reasons for their gathering. This gathering is a natural process, as long as there is something being presented. However, does the role of the audience merely involve receiving the presented work? No, the audience also influences what is personal, whether it pertains to an individual's body or a work they have created, which in turn affects their own sense of self. The audience essentially plays a role in defining and possibly changing what has been presented through the act of validation. The plurality of the audience, from a standpoint of desire, can be seen as a form of excess knowledge that engages with the work beyond what the self initially presented. This excess is like a surplus of emotional charge that appeals to desire. The audience, as a collective unit, engages with what is presented, contributes to its continued existence, and may even shape or transform it. This process of gathering indicates the audience's interest in the work and its ability to influence and sustain it. In conclusion, the audience is a complex entity with the power to validate and transform the work that is presented to them. Their collective gathering, fueled by desire and surplus knowledge, plays a crucial role in defining the truth of the presented work. As the self and the audience interact, a dynamic relationship is formed, one that is essential for the work to resonate and endure. Just as the philosopher engages with the truth to seek understanding, so too does the audience engage with the work to find meaning and connection. The relationship between the self, the audience, and the presented work is a dynamic interplay of desire, knowledge, and validation, shaping the experience and impact of artistic expression.